Free Aqlam Network for Human Rights

العنف الصامت في زمن الحرب : النساء و الفتيات في مواجهة المخاطر المتزايدة في السودان .

مقدمة : عندما تتحول الحروب إلى بيئة خصبة للعنف : في أوقات النزاعات المسلحة لا يقتصر أثر الحرب على الدمار المادي وفقدان الأرواح ، بل يمتد ليشمل تفكك النسيج الاجتماعي و ازدياد أشكال متعددة من العنف . و من بين أخطر هذه الظواهر العنف القائم على النوع الاجتماعي ، الذي يتفاقم عادة في البيئات التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة وانهيار منظومات الحماية . و تمثل الحالة السودانية مثالًا واضحًا على الكيفية التي يمكن أن يؤدي بها غياب الدولة قبل و أثناء و بعد النزاع إلى زيادة تعرض الفئات الأكثر هشاشة ، خاصة النساء و الفتيات ، لمخاطر متعددة .

جذور الظاهرة قبل اندلاع النزاع :رغم أن النزاعات المسلحة تسهم في زيادة انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي ، فإن جذور هذه الظاهرة موجودة منذ اندلاع الحرب ١٩٥٥ ، ١٩٨٥ ، ٢٠٠٣ ، و في حالات متزايدة في الحرب الاخير الدائر في السودان ٢٠٢٣ بين مكونات السلطة الجيش السوداني و الدعم السريع و الحركات التي تحالفت معهم و الكل منهم يريد ان يصل الي سلطة الدولة بقوة السلاح ، واجهت مؤسسات الدولة تحديات تتعلق بضعف تطبيق القوانين المرتبطة بحماية النساء والفئات الضعيفة ، إضافة إلى محدودية الخدمات الاجتماعية والقانونية المتخصصة في التعامل مع حالات العنف .كما أن ضعف برامج التوعية ووجود بعض الأعراف الاجتماعية التي قد تتسامح مع بعض أشكال العنف أسهما في تقليل فرص الإبلاغ عن الانتهاكات الإنسانية الجسيمة ، مما أدى إلى بقاء العديد من الحالات خارج نطاق المساءلة القانونية أو المعالجة المؤسسية .

النزاع المسلح وتضخم مخاطر العنفمع اندلاع النزاع المسلح الأخير في السودان عام 2023، دخلت البلاد مرحلة من عدم الاستقرار العميق ، انعكست بشكل مباشر على أوضاع المدنيين . فقد أدى القتال إلى تراجع دور مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية في العديد من المناطق ، الأمر الذي خلق فراغًا في منظومة الحماية .كما تسبب النزاع في موجات نزوح واسعة النطاق ، حيث اضطر ملايين الأشخاص إلى مغادرة منازلهم والعيش في ظروف إنسانية صعبة ، سواء داخل مخيمات النزوح أو في مجتمعات مضيفة تعاني أصلًا من محدودية الموارد والخدمات . وفي مثل هذه البيئات الهشة ، تصبح النساء والفتيات أكثر عرضة لمخاطر العنف والاستغلال ، خاصة في ظل تعطل الخدمات الصحية والاجتماعية التي كانت تقدم الدعم للمتضررين .

أسباب العنف القائم على النوع الاجتماعي تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى انتشار هذا النوع من العنف ، و من أبرزها :التمييز وعدم المساواة بين الجنسينعندما تُمنح فئة من المجتمع سلطة أو امتيازات أكبر من غيرها ، قد يؤدي ذلك إلى استغلال هذه السلطة و ممارسة العنف .العادات والتقاليد الاجتماعيةفي بعض المجتمعات ، قد تبرر بعض التقاليد أو الأعراف الاجتماعية سلوكيات عنيفة ضد النساء أو الفئات الأضعف .ضعف الوعي بالحقوققلة المعرفة بحقوق الإنسان و حقوق المرأة قد تجعل بعض الأفراد يقبلون بالعنف أو لا يدركون خطورته .الفقر و الضغوط الاقتصاديةقد تؤدي الأزمات الاقتصادية والبطالة إلى زيادة التوتر داخل الأسرة والمجتمع ، مما يرفع احتمالات حدوث العنف .ضعف القوانين أو عدم تطبيقهاعندما لا توجد قوانين رادعة أو لا يتم تطبيقها بشكل فعّال ، قد يشعر البعض بالإفلات من العقاب .

آثار العنف القائم على النوع الاجتماعييترك هذا العنف آثارًا عميقة على الأفراد والمجتمع ، منها :آثار نفسيةمثل القلق ، والاكتئاب ، وفقدان الثقة بالنفس ، والشعور بالخوف وعدم الأمان .آثار صحية وجسديةقد يتسبب العنف في إصابات جسدية أو مشاكل صحية طويلة الأمد .آثار اجتماعيةيؤثر العنف على استقرار الأسرة ويضعف الروابط الاجتماعية داخل المجتمع .آثار اقتصاديةقد يمنع الضحايا من العمل أو التعليم ، مما يؤدي إلى خسائر اقتصادية للأفراد والمجتمع.تح

تحديات مرحلة ما بعد الحربفي مرحلة ما بعد النزاع ، تواجه الدول المتأثرة بالحروب تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون . و في حالة السودان ، يتطلب التصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يشمل تعزيز قدرات النظام العدلي ، و توفير خدمات الدعم الصحي و النفسي و الاجتماعي للناجين .كما تبرز الحاجة إلى إدماج قضايا الحماية والمساواة بين الجنسين ضمن سياسات إعادة البناء والتنمية ، بما يضمن معالجة جذور الظاهرة و ليس فقط التعامل مع نتائجها .

العدالة والحماية أساس السلام المستدامتكشف التجربة السودانية أن العنف القائم على النوع الاجتماعي ليس مجرد نتيجة عرضية للنزاعات المسلحة ، بل هو ظاهرة تتفاقم في ظل ضعف مؤسسات الدولة وغياب الحماية القانونية والاجتماعية . ولذلك فإن مواجهة هذه المشكلة تتطلب مقاربة شاملة تشمل تعزيز سيادة القانون ، و دعم مؤسسات العدالة ، وتمكين المجتمع المدني من أداء دوره في التوعية و الحماية .فلا يمكن تحقيق سلام مستدام أو إعادة بناء حقيقية دون ضمان كرامة وأمن جميع أفراد المجتمع ، وخاصة النساء والفتيات اللواتي يتحملن في كثير من الأحيان العبء الأكبر في أوقات الأزمات والحروب .

English
Scroll to Top